
يندرج هذا اللقاء في سياق الدينامية الوطنية التي أطلقتها منظمة الشبيبة الاستقلالية، الرامية إلى تعزيز حضورها التأطيري والتواصلي، والإنصات إلى نبض الشباب، وترسيخ مكانتهم في صلب النقاش العمومي. ولم يكن هذا اللقاء مجرد محطة احتفالية مرتبطة بذكرى وطنية، وإنما شكل موعداً سياسياً وتواصلياً حمل دلالات عميقة، انطلاقاً من الإيمان بأن تخليد الذاكرة الوطنية لا ينبغي أن يبقى أسير استحضار الماضي، بل يجب أن يتحول إلى فعل حي ومتجدد، يستلهم من تضحيات الآباء والأجداد قوة لمواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل.
وشكل استحضار هذه الذكرى مناسبة لتجديد الوفاء لتلك التضحيات، والتأكيد على أن الأجيال الجديدة مطالبة بدورها بتحمل مسؤوليتها الوطنية، وأن الوفاء لمن سبقونا لا يكون فقط بحفظ الذاكرة واستحضار رموزها، وإنما بتحويل قيم الوطنية والتضحية والمسؤولية والمبادرة إلى ممارسة يومية، وإلى انخراط فعلي في قضايا الوطن والمجتمع.
وبمناسبة عيد الشباب المجيد، انتقل النقاش من استحضار الذاكرة إلى استشراف المستقبل، حيث احتلت قضايا الشباب موقعاً مركزياً في مختلف المداخلات والنقاشات. وأكد المشاركون أن الشباب ليس مجرد فئة اجتماعية تنتظر الحلول، وإنما هو قوة حية، وطاقات وكفاءات، وفاعل أساسي في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المملكة، وشريك حقيقي ينبغي أن يكون حاضراً في صناعة القرار العمومي.
وانفتح النقاش بشكل مباشر وصريح على واقع شباب إقليم الحسيمة بمختلف جماعاته، وعلى الإكراهات التي تواجهه، وفي مقدمتها إشكالية التشغيل، باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إلى الشباب والأسر والمجتمع. وأكد النقاش أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب أجوبة عمومية أكثر نجاعة وفعالية، لا تكتفي بالتدبير الظرفي للبطالة، وإنما تعمل على خلق فرص شغل مستدامة، وتشجيع المبادرة والاستثمار، واستثمار الطاقات والكفاءات المحلية.
كما شكل اللقاء مناسبة للوقوف على عدد من التحديات المرتبطة بالواقع المحلي، والتأكيد على أن التنمية المنشودة بإقليم الحسيمة لا يمكن أن تتحقق دون الإنصات إلى شباب المنطقة، وإشراكه في تحديد الأولويات، وتمكينه من فرص حقيقية للمساهمة في صناعة مستقبل إقليمه.
وعكس النقاش مستوى لافتاً من الوعي السياسي والمدني لدى شباب الحسيمة، حيث لم يكن الحضور مجرد مستمع أو متلق، بل كان حاضراً بأسئلته وملاحظاته وتطلعاته ومقترحاته. وأبان الشباب المشاركون عن إدراك واضح لأهمية الفعل السياسي ودوره في الدفاع عن القضايا المشروعة للمواطنات والمواطنين، وفي بلورة الحلول العمومية، كما عكسوا إلماماً مهماً بقضايا الإقليم وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
واتسم النقاش بالصراحة والجدية والمسؤولية، حيث تجاوز مجرد عرض المطالب والانشغالات إلى محاولة فهم أسباب الإشكالات واستشراف سبل معالجتها، وهو ما يعكس تطلع جيل جديد إلى ممارسة سياسية أكثر قرباً من المواطن، وأكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على تحويل الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية إلى سياسات عمومية ومبادرات تنموية يكون لها أثر ملموس في حياة المواطنين.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية العمل التأطيري الذي تضطلع به الشبيبة الاستقلالية، باعتباره جسراً حقيقياً بين الشباب والعمل السياسي، وفضاءً لتكوين جيل من الشباب المؤمن بقضايا وطنه، والمتمسك بثوابته، والقادر على ممارسة السياسة بروح المسؤولية والالتزام والاقتناع.
وأكد اللقاء أن الرهان على شباب الحسيمة هو رهان على مستقبل الإقليم، وأن معالجة قضاياه تستوجب رؤية تنموية متكاملة، تجعل من الإنسان محوراً للسياسات العمومية، ومن الشباب قوة اقتراح ومبادرة، وتفتح أمامه آفاقاً حقيقية للمشاركة والإبداع والانخراط في التنمية.
وهكذا، شكل لقاء الحسيمة محطة نضالية وتواصلية أكدت أن شباب الإقليم يمتلك من الوعي والإرادة والقدرة على النقاش والاقتراح ما يؤهله ليكون فاعلاً أساسياً في صناعة مستقبل منطقته. كما أكد أن الإنصات إلى الشباب، وتأطيره، وإشراكه في الحياة العامة، ليس خياراً ثانوياً، وإنما مدخل أساسي لبناء الثقة في العمل السياسي، وتقوية المشاركة المواطنة، وربط الممارسة السياسية بقضايا الناس الحقيقية وانتظاراتهم اليومية.